الشوكاني

212

فتح القدير

( إن هذا القرآن يهدى للتي هي أقوم ويبشر ) بالتخفيف . وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ( ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير ) يعنى قول الإنسان : اللهم العنه واغضب عليه . وأخرج ابن جرير عنه في قوله ( وكان الإنسان عجولا ) قال : ضجرا لا صبر له على سراء ولا ضراء . وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر عن سلمان الفارسي قال : أول ما خلق الله من آدم رأسه ، فجعل ينظر وهو يخلق وبقيت رجلاه ، فلما كان بعد العصر قال : يا رب أعجل قبل الليل ، فذلك قوله ( وكان الإنسان عجولا ) . سورة الإسراء الآية ( 12 - 17 ) . لما ذكر سبحانه دلائل النبوة والتوحيد أكدها بدليل آخر من عجائب صنعه وبدائع خلقه فقال ( وجعلنا الليل والنهار آيتين ) وذلك لما فيهما من الإظلام والإنارة مع تعاقبهما وسائر ما اشتملا عليه من العجائب التي تحار في وصفها الأفهام ، ومعنى كونهما آيتين أنهما يدلان على وجود الصانع وقدرته ، وقدم الليل على النهار لكونه الأصل ( فمحونا آية الليل ) أي طمسنا نورها ، وقد كان القمر كالشمس في الإنارة والضوء . قيل ومن آثار المحو السواد الذي يرى في القمر ، وقيل المراد بمحوها أنه سبحانه خلقها ممحوة الضوء مطموسة ، وليس المراد أنه محاها بعد أن لم تكن كذلك ( وجعلنا آية النهار مبصرة ) أي جعل سبحانه شمسه مضيئة تبصر فيها الأشياء . قال أبو عمرو ابن العلاء والكسائي : هو من قول العرب : أبصر النهار : إذا صار بحالة يبصر بها ، وقيل مبصرة للناس من قوله أبصره فبصر . فالأول وصف لها بحال أهلها ، والثاني وصف لها بحال نفسها ، وإضافة آية إلى الليل والنهار بيانية : أي فمحونا الآية التي هي الليل والآية التي هي النهار كقولهم نفس الشئ وذاته ( لتبتغوا فضلا من ربكم ) أي لتتوصلوا ببياض النهار إلى التصرف في وجوه المعاش ، واللام متعلق بقوله وجعلنا آية النهار مبصرة : أي جعلناها لتبتغوا فضلا من ربكم : أي رزقا ، إذ غالب تحصيل الأرزاق وقضاء الحوائج يكون بالنهار ، ولم يذكر هنا السكون في الليل اكتفاء بما قاله في موضع آخر - وهو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا - ثم ذكر مصلحة أخرى في ذلك الجعل فقال ( ولتعلموا عدد السنين والحساب ) وهذا متعلق بالفعلين جميعا : أعني محونا آية الليل وجعلنا